محمد حسين هيكل

264

حياة محمد ( ص )

الاتفاق هو الذي أخرج العباس للقاء محمد ، وأن هذا الاتفاق هو الذي جمع بين العباس وأبي سفيان ، وأن أبا سفيان كان قد وثق ، منذ ذهب إلى المدينة ليمدّ في عهد الحديبية ورجع صفر اليدين ، بأن لا سبيل لقريش إلى ردّ محمد ، وأيقن أنه إذا مهد للفتح السبيل فستبقى له رياسته في مكة ومقامه الكبير فيها ، وأن الذي ربما كان وقع عليه الاتفاق من ذلك لم يتعدّ محمدا والأشخاص الذين يعنيهم الأمر ، بدليل ما همّ به عمر من قتل أبي سفيان ؟ من المغامرة أن نحكم . لكنا نستطيع أن نقرر - مطمنة نفوسنا - أنه سواء أكانت المصادفة هي التي ساقت ذلك كله أم أن شيئا من الاتفاق قد وقع عليه ، فالحالان تدلّان على دقة محمد ومهارته في كسب أكبر موقعة في تاريخ الإسلام من غير حرب ومن غير إراقة دماء . عدة محمد لدخول مكة لم يمنع إسلام أبي سفيان محمدا أن يتخذ لدخول مكة كل ما لديه من أهبة وحذر . وإذا كان النصر بيد اللّه يؤتيه من يشاء ، فإن اللّه لا يؤتي النصر إلا من أعدّ له كل عدّته ، واحتاط لكل دقيقة وجليلة قد تقف في سبيله . لذلك أمر أن يحبس أبو سفيان بمضيق الوادي عند مدخل الجبل إلى مكة ، حتى تمرّ به جنود المسلمين فيراها ليحدث قومه بها عن بينة ، ولكي لا يكون في إسراعه إليهم خيفة مقاومة أيّا كان نوعها . ومرّت القبائل بأبي سفيان ، فما راعه منها إلا الكتيبة الخضراء يحيط بمحمد فيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد . فلما عرف أبو سفيان أمرهم قال : يا عباس ! ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة . واللّه يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما ! ثم انطلق إلى قومه يصيح فيهم بأعلى صوته : يا معشر قريش ! هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن . وسار محمد في الجيش ، حتى إذا انتهى إلى ذي طوى ، ورأى من هناك مكة لا تقاوم استوقف كتائبه ، ووقف على راحلته ، وانحنى للّه شاكرا ، أن فتح اللّه عليه مهبط الوحي ومقرّ البيت الحرام ليدخله والمسلمين آمنين مطمئنين . وفيما هو كذلك طلب أبو قحافة ، ولم يكن قد أسلم كابنه ، إلى حفيدة له أن تظهر به على أبي قبيس ، وكان قد كفّ بصره . فلما ارتفعت به الجبل سألها ما ترى ؟ قالت : أرى سوادا مجتمعا . قال : تلك الخيل . ثم قالت : قد واللّه انتشر السواد . فقال : تلك الخيل دفعت إلى مكة ، فأسرعي بي إلى بيتي . ولم يصل إلى بيته حتى كانت الخيل قد زحفت وتلقّته قبل بلوغه إيّاه . . . شكر محمد اللّه أن فتح عليه مكة ، ولكنه ظلّ مع ذلك متّخذا حذره ؛ فقد أمر أن يفرق الجيش أربع فرق ، وأمرها جميعا ألّا تقاتل وألا تسفك دما إلا إذا أكرهت على ذلك إكراها واضطرّت إليه اضطرارا . وجعل الزّبير بن العوّام على الجناح الأيسر من الجيش وأمره أن يدخل مكة من شمالها ، وجعل خالد بن الوليد على الجناح الأيمن وأمره أن يدخل من أسفل مكة ، وجعل سعد بن عبادة على أهل المدينة ليدخلوا مكة من جانبها الغربيّ . أما أبو عبيدة بن الجرّاح فجعله محمد على المهاجرين ، وسار وإيّاهم ليدخلوا مكة من أعلاها في حذاء جبل هند ، وفيما هم يتأهبون سمع بعضهم سعد بن عبادة يقول : « اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحلّ الحرمة . . . » . وفي ذلك من نقض أمر النبي ألّا يقتل المسلمون من أهل مكة ما فيه . لذلك رأى النبيّ حين بلغه ما قال سعد أن يأخذ الراية منه وأن يدفعها إلى ابنه قيس ، وكان رجلا ضخما ، لكنه كان أهدأ من أبيه أعصابا . دخلت الجيوش مكة فلم يلق منها مقاومة إلا جيش خالد بن الوليد ، فقد كان يقيم في هذا الحيّ من